في ظل النمو الاقتصادي السريع الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة، وكونها مركزًا تجاريًا وماليًا إقليميًا وعالميًا، أصبح اللجوء إلى التحكيم كوسيلة بديلة لفض المنازعات التجارية أمرًا بالغ الأهمية وتماشياً مع هذا التوجه، صدر القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 بشأن التحكيم ليؤسس لإطار قانوني متكامل يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية، لا سيما “قواعد الأونسيترال النموذجية”.
في هذا المقال سنقدّم تحليلًا تفصيليًا واحترافيًا لقانون التحكيم الاماراتي مع إبراز مزاياه، وتوضيح إجراءاته، وتسليط الضوء على التحديات والتطبيقات العملية له داخل السوق الإماراتي، في ضوء خصوصية البيئة القانونية والتجارية في الدولة.
أولاً: التحكيم كوسيلة بديلة لفض المنازعات
التحكيم هو إجراء قانوني بديل للمحاكم التقليدية، يتم بموجبه الاتفاق بين طرفين أو أكثر على إحالة النزاع القائم أو المحتمل إلى محكم أو هيئة تحكيم للفصل فيه بقرار ملزم للطرفين.
مزايا قانون التحكيم الاماراتي:
- السرعة والمرونة في الإجراءات.
- الخصوصية والسرية.
- اختيار المحكمين ذوي الخبرة.
- تقليل الكلفة مقارنة بالتقاضي في بعض الحالات.
في الإمارات يُعتبر التحكيم خيارًا مفضلاً في القطاعات العقارية والإنشائية والتجارية، خصوصًا في المناطق الحرة مثل مركز دبي المالي العالمي (DIFC) وسوق أبوظبي العالمي (ADGM).
ثانيًا: لمحة عامة عن القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018
صدر هذا القانون في مايو 2018، ليُحدث نقلة نوعية في البيئة التشريعية المتعلقة بالتحكيم في الإمارات، ويُستبدل به النصوص القديمة الواردة في قانون الإجراءات المدنية.
أبرز ملامح قانون التحكيم الاماراتي:
- الاستقلالية التامة لقانون التحكيم عن قوانين الإجراءات.
- اعتماد مبادئ دولية مثل حياد المحكم، واستقلاليته، ومساواة الأطراف.
- تنظيم مفصل لإجراءات تشكيل هيئة التحكيم، والطعن، وتنفيذ الأحكام.
- الاعتراف بالتحكيم الإلكتروني.
ثالثًا: نطاق تطبيق قانون التحكيم الاماراتي
يشمل القانون التحكيمات التي:
- تجرى داخل الدولة سواء بين أطراف محلية أو دولية.
- تُدار وفق قواعد مؤسسات تحكيم محلية أو دولية.
- تنفذ داخل الإمارات حتى وإن جرت خارجها.
ويستثنى من ذلك المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية والمسائل الجنائية.
رابعًا: اتفاق التحكيم (شروطه وصياغته)

يُعد اتفاق التحكيم حجر الأساس في العملية التحكيمية، ويجب أن يكون مكتوبًا، سواء في صورة شرط في عقد أو اتفاق منفصل.
شروط صحة اتفاق التحكيم:
- الأهلية القانونية للأطراف.
- وضوح الاتفاق وعدم غموضه.
- تحديد نطاق النزاع القابل للتحكيم.
يُنصح دائمًا بصياغة شرط التحكيم بمساعدة قانونية لضمان قبوله وتنفيذه لاحقًا.
خامسًا: هيئة التحكيم (تشكيلها وصلاحياتها)
تشكيل الهيئة:
- يجوز أن تتكون الهيئة من محكم فرد أو أكثر.
- يُراعى عدد المحكمين الفردي (واحد أو ثلاثة).
- في حال عدم اتفاق الأطراف تُعيّن المحكمة المختصة المحكم.
شروط المحكم:
- النزاهة والحياد.
- الكفاءة والخبرة.
- عدم وجود موانع قانونية أو تعارض مصالح.
سادسًا: إجراءات التحكيم
يمنح قانون التحكيم الاماراتي مرونة كبيرة للأطراف في تحديد إجراءات التحكيم، إلا أنه وضع قواعد عامة لضمان النزاهة:
- تبادل المذكرات.
- عقد الجلسات إن لزم.
- تقديم الأدلة.
- احترام حق الدفاع.
يجوز إجراء التحكيم إلكترونيًا وهو ما يعزز من سرعة الإجراءات وتناسبها مع المعاملات الحديثة.
سابعًا: حكم التحكيم وتنفيذه
إصدار الحكم:
- يجب أن يكون الحكم مكتوبًا.
- يتضمن أسباب القرار.
- يوقع عليه جميع المحكمين.
تنفيذ الحكم:
- يتم تقديم طلب التنفيذ أمام المحكمة المختصة.
- تُراجع المحكمة الشكل فقط دون الخوض في الموضوع.
إذا استوفى الحكم الشروط الشكلية، يُنفذ كأنه حكم قضائي قطعي.
ثامنًا: الطعن في حكم التحكيم
حالات بطلان الحكم:
- غياب اتفاق التحكيم.
- إخلال بحق الدفاع.
- مخالفة النظام العام.
- تجاوز هيئة التحكيم لصلاحياتها.
يُقدم طلب البطلان خلال 30 يومًا من تاريخ تبليغ الحكم.
تاسعًا: مؤسسات التحكيم في الإمارات

تضم الإمارات عدة مؤسسات تحكيم رائدة، منها:
- مركز دبي للتحكيم الدولي (DIAC).
- مركز أبوظبي للتحكيم التجاري.
- محاكم مركز دبي المالي العالمي (DIFC Courts).
- مركز التحكيم في سوق أبوظبي العالمي (ADGM).
تتميز هذه المؤسسات بإجراءات مرنة، ودعم تقني، واستقلالية إدارية عالية.
عاشرًا: العلاقة بين التحكيم والمحاكم
تتمثل علاقة المحاكم بالتحكيم في:
- دعم التحكيم بتعيين المحكمين عند تعذر الاتفاق.
- إصدار أوامر وقتية عند الضرورة.
- تنفيذ أحكام التحكيم.
- النظر في دعاوى البطلان.
تسعى المحاكم الإماراتية عمومًا لتشجيع التحكيم والحد من التدخل فيه.
الحادي عشر: التحكيم في العقود الحكومية والعامة
يسمح قانون التحكيم الاماراتي بعقد التحكيم مع الجهات الحكومية، بشرط الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة.
ويُعد ذلك توجهًا مهمًا لتشجيع الاستثمار، ويعكس شفافية النظام القانوني.
الثاني عشر: التحديات العملية لقانون التحكيم الاماراتي
رغم التطور الكبير ما زالت هناك تحديات:
- تفاوت فهم بعض المحامين لاتفاق التحكيم.
- تأخير في تنفيذ بعض الأحكام.
- ضعف الوعي لدى الشركات الصغيرة.
تتطلب هذه التحديات تدريبًا قانونيًا مستمرًا، ودعمًا مؤسسيًا.
الخاتمة
يُعد قانون التحكيم الاماراتي لعام 2018 من القوانين المتقدمة التي تعزز بيئة الأعمال والاستثمار في الدولة، لما يوفره من ضمانات قانونية ومرونة إجرائية تتماشى مع المعايير الدولية ومن خلال تطوير البنية التحتية القانونية، وترسيخ ثقافة التحكيم، تتبوأ الإمارات مكانة ريادية في المنطقة في مجال فض المنازعات التجارية.
إن فهم هذا القانون هو ضرورة لكل مستثمر، محامٍ، أو صاحب مصلحة في السوق الإماراتي، لما له من أثر مباشر على استقرار العقود وتنفيذ الالتزامات.
المحامية آلاء الجسمي
المحامية آلاء الجسمي، مؤسسة والرئيس التنفيذي لمكتب آلاء الجسمي للمحاماة في الإمارات، محام عام بخبرة أكثر من 10 سنوات متخصصة في قضايا الأحوال الشخصية، والقضايا الجنائية والمدنية، القضايا المتعلقة ب طقانون الشركات، البنوك، والقانون التجاري، تُعد من المحامين البارزين في مدينة عجمان، وتغطي بخدماتها القانونية إمارات الشارقة، دبي، العين، الفجيرة، وأم القيوين.



