أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وبات كثير من الناس يعبّرون عن آرائهم أو ينشرون تعليقات ساخرة أو مقاطع مصورة دون التفكير في العواقب القانونية لكن في بعض الدول ومنها الإمارات العربية المتحدة قد تتجاوز بعض العبارات حدود الرأي الشخصي لتدخل في نطاق الجرائم المعاقب عليها، خصوصًا عندما تتعلق بالإساءة إلى الدولة أو هيبتها أو مؤسساتها أو رموزها الوطنية.
ويثير موضوع تهمة الاستهانة بالدولة الامارات اهتمامًا واسعًا، لأن البعض يعتقد أن التعليقات الساخرة أو إعادة نشر منشور مسيء لا تحمل مسؤولية قانونية، بينما الواقع أن القانون الإماراتي يتعامل بصرامة مع أي محتوى إلكتروني من شأنه الإضرار بسمعة الدولة أو السخرية من مؤسساتها أو النيل من مكانتها وقد أكدت جهات رسمية أن استخدام الوسائل التقنية للسخرية أو الإضرار بسمعة الدولة قد يعرّض مرتكبه للحبس والغرامة.
ما المقصود بتهمة الاستهزاء بالدولة في الإمارات؟

يقصد بتهمة الاستهزاء بالدولة الامارات ارتكاب فعل أو نشر محتوى أو تداول مادة عبر وسائل تقنية المعلومات يتضمن السخرية من الدولة، أو الحط من مكانتها، أو التقليل من هيبتها، أو الإساءة إلى مؤسساتها الرسمية، أو الإضرار بسمعتها داخليًا أو خارجيًا ولا يشترط أن يكون الفعل مباشرًا بصيغة واضحة؛ فقد تقوم الجريمة من خلال:
- نشر تعليق ساخر: قد يكتب شخص تعليقًا يصف جهة رسمية بعبارات تهكمية تحمل معنى الإهانة أو الاستخفاف.
- مشاركة فيديو أو صورة معدلة: قد ينشر صورة أو تصميمًا ساخرًا يتناول إحدى المؤسسات أو الرموز الوطنية.
- إعادة نشر منشور مسيء: حتى إعادة المشاركة أحيانًا قد تُعد مساهمة في نشر المحتوى المخالف إذا ثبت العلم بمضمونه.
- التعليق بطريقة تحمل ازدراء: العبارات غير المباشرة قد تخضع للتقييم القضائي إذا تضمنت معنى الإهانة أو التشهير بالدولة.
الأساس القانوني لتجريم تهمة الاستهزاء بالدولة الامارات
يعالج القانون الإماراتي هذا النوع من الأفعال ضمن المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، والذي يجرّم استخدام الإنترنت أو وسائل التقنية في نشر محتوى يضر بسمعة الدولة أو مؤسساتها أو يسيء إليها. وقد أشارت جهات قضائية في أبوظبي إلى تطبيق المادة 25 على حالات السخرية والإضرار بسمعة الدولة.
لماذا يتعامل القانون بصرامة مع هذه الجريمة؟

يرجع ذلك إلى أن المشرع يعتبر سمعة الدولة وهيبتها ومؤسساتها جزءًا من النظام العام، وأن الإضرار بها عبر المنصات الرقمية قد يمتد أثره إلى جمهور واسع داخل الدولة وخارجها.
- التأثير السريع للنشر الإلكتروني: المنشور الواحد قد يصل خلال دقائق إلى آلاف الأشخاص.
- صعوبة احتواء الضرر: حتى بعد الحذف قد يبقى المحتوى محفوظًا أو معاد نشره.
- المساس بالمصلحة العامة: القانون يعتبر سمعة الدولة شأنًا عامًا وليس مجرد حق شخصي.
متى يعتبر الفعل استهزاءً قانونًا؟
ليس كل نقد أو رأي يدخل في نطاق الجريمة. الفارق القانوني يعتمد على مضمون التعبير وسياقه وطريقة عرضه.
- النقد المباح: إبداء رأي مهني أو مناقشة موضوع عام بأسلوب محترم لا يحمل إهانة.
- السخرية المجرّمة: استخدام ألفاظ أو صور أو رموز أو إشارات تهدف إلى التقليل من الهيبة أو التحقير أو الإهانة.
التقدير يعود للسلطات القضائية
المحكمة تنظر إلى:
- الكلمات المستخدمة.
- نية المتهم.
- السياق.
- وسيلة النشر.
- أثر المحتوى.
- الجمهور المستهدف.
أركان جريمة الاستهزاء بالدولة
الركن المادي
هو الفعل الخارجي الذي يظهر من خلال النشر أو الإرسال أو المشاركة أو التوزيع أمثلة الركن المادي:
- نشر منشور ساخر.
- فيديو يتضمن إساءة.
- تعليق مهين.
- تصميم أو صورة معدلة.
- تسجيل صوتي.
- إعادة مشاركة مادة مسيئة.
ولا يشترط أن يكتب المتهم النص بنفسه، فقد تقوم الجريمة بإعادة الإرسال أو التداول.
الركن المعنوي
يتعلق بالقصد الجنائي، أي:
العلم: أن يعلم الشخص مضمون ما ينشره.
الإرادة: أن يكون نشره بإرادته الحرة.
وقد ينازع الدفاع إذا تم النشر عن طريق اختراق حساب أو استخدام دون إذن.
عقوبة تهمة الاستهانة بالدولة الامارات
قد تصل العقوبة إلى الحبس السجن أو الحبس وفق تقدير المحكمة بحسب الواقعة، الغرامة قد تصل إلى 500,000 درهم في بعض الحالات المتعلقة بالإضرار بسمعة الدولة عبر الوسائل التقنية، الجمع بين العقوبتين يجوز الحكم بالحبس والغرامة معًا.
هل المزاح أو النكتة يعفي من المسؤولية؟
كثيرون يعتقدون أن المزاح يحميهم من العقوبة، لكن ذلك غير صحيح قانونًا.
العبرة بالمحتوى لا بالنية المعلنة
قول الشخص “كنت أمزح” لا يمنع المساءلة إذا كان الفعل محققًا لأركان الجريمة.
تقدير الأثر
إذا ترتب على المنشور إساءة أو ازدراء، فقد تقوم الجريمة بغض النظر عن ادعاء المزاح.
هل الرسائل الخاصة تدخل ضمن الجريمة؟
نعم، في بعض الحالات إذا تم تداولها إلكترونيًا: الرسائل الخاصة قد تصبح دليلًا إذا تضمنت محتوى مجرّم، إذا تم إعادة إرسالها تحويل الرسالة للآخرين قد يوسع نطاق المسؤولية.
هل حذف المنشور ينهي القضية؟
لا حذف المحتوى لا يمحو المسؤولية إذا تم توثيقه قبل الحذف الأدلة الرقمية قد تشمل:
- لقطات شاشة.
- سجلات المنصة.
- نسخ احتياطية.
- تقارير فنية.
- أجهزة المستخدمين.
وسائل الإثبات
تعتمد الجهات المختصة على أدلة رقمية متعددة الأدلة الشائعة
- الحساب الإلكتروني.
- رقم الهاتف.
- عنوان الإنترنت.
- البريد الإلكتروني.
- المحادثات.
- النسخ المؤرشفة.
- خبرة الأدلة الرقمية.
أمثلة عملية علي تهمة الاستهانة بالدولة الامارات
نشر تعليق على منصة اجتماعية: شخص يكتب منشورًا يسخر من مؤسسة رسمية باستخدام ألفاظ مهينة.
مشاركة فيديو: إرسال فيديو ساخر في مجموعة عامة أو خاصة.
تعديل صورة: إضافة عبارات مهينة على شعار أو رمز رسمي ثم نشرها.
تعليق تحت خبر رسمي: الرد بطريقة تتضمن تحقيرًا أو ازدراءً.
هل إعادة النشر تعتبر جريمة؟
نعم، قد تعتبر كذلك لأن القانون يجرّم النشر والتداول: إعادة النشر تُعد مساهمة في نشر المحتوى إذا ثبت العلم بالمضمون.
المسؤولية تشمل المشارك: حتى إن لم يكن منشئ المحتوى الأصلي.
هل يشترط حدوث ضرر فعلي؟
غالبًا لا يكفي أن يكون الفعل من شأنه الإضرار أو الإساءة.
معيار الاحتمال: القانون أحيانًا يكتفي بإمكان تحقق الضرر وليس وقوعه بالفعل.
الدفاع القانوني في هذه القضايا
تختلف الدفوع حسب تفاصيل كل قضية
- الدفع بانتفاء القصد: إثبات عدم العلم أو الخطأ غير المقصود.
- الدفع باختراق الحساب: إثبات أن الحساب استُخدم من شخص آخر.
- الدفع بتحريف المحتوى: القول إن المقطع أو الصورة مجتزأة.
- الدفع بعدم انطباق النص: إذا كان المحتوى لا يصل قانونًا إلى مستوى الإهانة أو الاستهزاء.
- الدفع ببطلان الإجراءات: مثل بطلان التفتيش أو جمع الأدلة.
الفرق بين النقد والإساءة
هذه نقطة مهمة جدًا.
النقد
قد يكون:
- مناقشة قرار.
- رأي قانوني.
- تحليل.
- تعليق موضوعي.
الإساءة
تكون عند:
- السخرية.
- الإهانة.
- التحقير.
- التشويه.
- التهكم الجارح.
والفاصل يقدره القضاء حسب ظروف كل حالة.
أثر الجريمة على المقيم أو الموظف
القضية لا تقف عند الحكم فقط.
قد يترتب أيضًا
- إنهاء الخدمة.
- فصل وظيفي.
- صعوبات بالإقامة.
- قيود إدارية.
- تعويضات مدنية.
- سجل جنائي.
دور المحامي في هذه القضايا
القضايا الإلكترونية تحتاج معالجة دقيقة.
المحامي يفحص
- النص المنشور.
- الحساب.
- الأجهزة.
- مصدر الأدلة.
- مدى صحة الإسناد.
- التكييف القانوني.
كما يتولى
- الحضور أمام النيابة.
- طلب الخبرة الفنية.
- مناقشة القصد الجنائي.
- تقديم الدفوع.
نصائح لتجنب الوقوع في هذه التهمة
قبل النشر فكّر في الأثر القانوني: ليس كل ما يكتب على الإنترنت يمر دون مساءلة.
لا تعيد نشر محتوى مجهول: إعادة التوجيه قد تُحمّل المسؤولية.
تجنب المحتوى الساخر المتعلق بالدولة: حتى إن كان على سبيل المزاح.
احذر من المجموعات الخاصة: الخصوصية لا تمنع الإثبات.
استشر قانونيًا عند الاستدعاء: التصرف السريع مهم جدًا.
لماذا تزداد هذه القضايا؟
مع توسع التطبيقات والمنصات، أصبحت الجرائم الرقمية أكثر شيوعًا، وتشمل أسباب الزيادة:
- سرعة النشر.
- سهولة التسجيل.
- إعادة الإرسال.
- انتشار المجموعات المغلقة.
- الاحتفاظ بالأدلة التقنية.
خاتمة
تهمة الاستهانة بالدولة الامارات ليست مسألة بسيطة أو مرتبطة فقط بالمنشورات العامة، بل قد تنشأ من تعليق أو صورة أو إعادة إرسال محتوى عبر أي وسيلة تقنية إذا حمل معنى الإساءة أو الإضرار بسمعة الدولة.
ولهذا فإن استخدام وسائل التواصل يجب أن يكون بحذر، خاصة في الموضوعات المتعلقة بالدولة ومؤسساتها، لأن التقييم القانوني لا يعتمد على نية الشخص وحدها، بل على مضمون الفعل وأثره وطريقة نشره وفهم الحدود بين الرأي المشروع والمحتوى المجرّم يساعد على تجنب الوقوع في مسؤولية قانونية قد تترتب عليها عقوبات جسيمة وآثار مستقبلية واسعة.
مصادر مفيدة:



